بيت أبي بكر : نموذج فريد يحتذي
كان بيت أبي بكر نموذجاً فذاً لبيوت الدعوة ، وظهر ذلك جليا من خلال حدث الهجرة المبارك فأبو بكر يعرف مهامه فيقوم بها على أكمل وجه ، فيقدم رغبته الشديدة على الصحبة ، ويبذل ماله (بشراء الراحلتين ) ، ويجند ابنه وابنته وراعيه لإنجاح أدوار الرحلة ثم يبذل نفسه بالقيام بتلك الصحبة . نعم وهذه هي طبيعة الإيمان , فإذا تمكن من النفس وخالطت بشاشته القلوب أرخص المؤمن كل شيء في سبيل عقيدته ، فهذا أبو بكر لم يقل : أجنب أبنائي الأخطار ، لا سيما البنات ، بل تجلى صدق إيمانه في كل خطوة من خطوات الرحلة ، فكانت نصرة الدين أعلى وأغلى عنده من النفس والولد والمال ، وبمثل هذا الصدق تنجح الدعوات وتنتصر.
وهذه هي الأدوار لنأخذ منها العبرة :
الصدِّيق .. خير رفيق
وقد تلخصت مهمته في:
- ابتاع راحلتين واحتبسهما في داره وعلفهما إعدادًا لذلك.
- سخّر أسرته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم.
- وضع نفسه تحت شعار: "كن مستعدًا"؛ فهو يعلم أن القرار ربما يأتي اليوم أو غدًا، فلا بد أن يكون جاهزًا له.
ولكن لماذا أبو بكر بالذات؟ والإجابة:
1- لأنه كان من أكثر الناس حبًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان يخاف عليه أكثر مما يخاف على نفسه.
2- ثم إنه كان من أحزم الناس وأملكهم لنفسه وخاصة عند لحظات الشدائد والملمات، فلا يجزع ولا يضطرب.
3- وكان يتمتع بقدر عجيب من حب الدعوة وافتدائها بنفسه وماله وعياله، لا ينازعه في ذلك إنسان.
يقول السهيلي: عندما رأى أبو بكر رضي الله عنه القافة (الذين يقتفون الأثر ويتتبعونه) اشتد حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن قتلتُ فإنما أنا رجل واحد، وإن قُتلتَ أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله: "لا تحزن إن الله معنا"... (الروض الأنف).
إن النفوس التي أخذت قسطًا وافرًا من التربية لا تجزع عند الشدائد، ولا تهرب عند الصعاب وتقول: نفسي نفسي.. فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة، وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن ظفر به المشركون، ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول في قبضة المشركين...
ويظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق ، فأبو بكر عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله: (لاتعجل لعل الله يجعل لك صاحباً) فقد بدأ في الإعداد والتخطيط للهجرة ,فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك,. لقد كان يدرك بثاقب بصره , وهو الذي تربى ليكون قائداً، أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة، ورتب تموينها، وسخر أسرته لخدمة النبي ، وعندما جاء رسول الله , وأخبره إن الله قد أذن له في الخروج والهجرة، بكا من شدة الفرح وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، إنها قمة الفرح البشري، أن يتحول الفرح إلى بكاء مما قال الشاعر عن هذا:ورد الكتاب من الحبيب بأنه ………سيزورني فاستعبرت اجفانيغلب السرور عليّ حتى إنني ………من فرط ماقد سرني أبكانيياعين صار الدمع عندك عادة ………تبكين من فرح ومن أحزاني
عبد الله بن أبي بكر
كان عبد الله غلامًا، شابًا، معروف بالفطنة والذكاء وحُسن التلقي لما يسمعه.
فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو، لقد ربى عبد الله على حب دينه، والعمل لنصرته ببصيرة نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد، يدل على العناية الفائقة التي اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته. وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام به خير قيام
ولقد كان اختياره اختيارا دقيقا للمهمة التي سيُكلَّف بها وهي:
1- التسمّع لما يقوله أهل مكة - كما في رواية البخاري: "فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك".
2- المبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم في الغار حين يختلط الظلام، ناقلاً لهما ما سمعه، ثم المغادرة في وقت السحر، فيصبح مع قريش كبائت فيهم.
والذي يصف المخاطر التي تحيط بالدعوة وينقلها إلى القيادة لا بد أن يكون دقيقًا فيما يسمع ويرى وينقل، لأن كثيرًا من الدعاة يُهوِّلون -أحيانًا- من الواقع الذي يحيونه، ولا ينقلون صورة دقيقة للقيادة عن هذا الواقع؛ وهو ما يترتب عليه ترتيب أحكام خاطئة أو تصوّرات غير واقعية للمستقبل الذي ينتظر الدعوة.
ويمكن أن نطلق على شخصية عبد الله بن أبي بكر أنها شخصية "منضبطة" في التلقي، والأداء، والضبط، ولو كان شخصية "مُهَوِّلة" للأحداث، أو "متساهلة" في تقدير الخطر، لكان من الممكن أن تطول فترة مكوث النبي صلى الله عليه وسلم في الغار أو تقصر تبعًا للوصف الذي يتلقاه.
أسماء بنت أبي بكر
كان لأسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة حيث قامتا عند قدوم النبي إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز طعام للنبي ولأبيهما: تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فجهزناهما (تقصد رسول الله وأباها) أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين. وقد مثلت أسماء وأختها عائشة جهاز إمداد وتموين للنبي وأبي بكر في الغار، وسط محاولات المشركين المحمومة للعثور عليهما.
أما عائشة فقد كانت لا تزال صغيرة السن، وبالرغم من ذلك شاركت أختها في إعداد الطعام في البيت، وأما أسماء فتنقل الطعام من البيت إلى الغار، وقد كانت رضي الله عنها مؤهلة لذلك؛ لصبرها، وقوة احتمالها، وتكتمها الأمر، وحسن تصرفها في الأمور.
ولا غرو في ذلك، فالمرأة ليست عنصرًا مهملاً في الدعوة، ولكنها يمكن أن تقوم بأدق الأدوار حساسية، والتي لا يمكن للرجال أن يقوموا بها في أشد مراحل الدعوة حساسية وخطورة، لما يتعرضون له من رصد ومتابعة وتضييق.
لقد علَّمتنا أسماء
أولاً كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء، وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم!.
فلقد أظهرت أسماء رضي الله عنها دور المسلمة الفاهمة لدينها، المحافظة على أسرار الدعوة المتحملة لتوابع ذلك من الأذى والتعنت فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول: لما خرج رسول الله وأبو بكر أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشاً خبيثاً- فلطم خدِّي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا...). فهذا درس من أسماء رضي الله عنها تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم؟
وعلمتنا ثانيًا حسن التصرف في الأمور؛ فعندما دخل عليها جدها أبو قحافة -وقد ذهب بصره- فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: كلا يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردتُ أن أُسكِّن الشيخ..
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها، وسكنّت قلب جدها الضرير، من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقاً هذه الأحجار التي كوّمتها لتطمئن لها نفس الشيخ إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لاتزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال، وورثهم يقيناً وثقة به لاحد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور، ولاتلتفت إلى سفاسفها، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عزّ أن يتكرر،وقلّ أن يوجد نظيره. لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هُنَّ في أمس الحاجة إلى الإقتداء به، والنسج على منواله وظلت أسماء مع أخواتها في مكة، لاتشكو ضيقاً، ولاتظهر حاجة، حتى بعث النبي ( زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد، وأمه بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبدالله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، حتى قدموا المدينة مصطحبين. والإنسان ليعجب كيف استطاعت تلك الشابة أن تتصرف هذا التصرف العاقل؟! إنها تربية أبي بكر، القريب من بيت النبوة، ولا غرابة بعد ذلك فيما يصدر عن أسماء من عقل راجح، وحكمة بالغة، وتصوّر للأهداف البعيدة، واستعلاء على تفاهات الدنيا، والتعلق بالآخرة.
عامر بن فهيرة
وهو الراعي البسيط، مولى أبي بكر رضي الله عنه، وقد انحصرت مهمته في:
1- تقديم اللبن واللحم إلى صاحبي الغار.
2- تبديد آثار أقدام السائرين إلى الغار بأغنامه كيلا يتفرسها القوم، فيصلوا إلى صاحبي الغار.
وهي وظيفة مزدوجة، منها ما هو في جانب للإمداد والتموين -مشاركة مع أسماء بنت أبي بكر، ومنها وهو الأهم- تبديد
الآثار لئلا يتعرف عليها المشركون، مشكِّلاً بذلك جهاز "تشويش وتمويه" على الكفار.
وعامر بن فهيرة شخصية بسيطة، فهو مجرد راعي غنم، وهو مولى لأبي بكر، فلن تتجه إليه الكثير من الأنظار؛ فالعرب لا يلتفتون إلى مواليهم، أما الإسلام فقد محا ذلك، وجعل خيرية الرجل بإيمانه وتقواه.
وهدا درس للدعوة أن تستفيد من إمكانات أقل وأصغر رجل فيها -إن صح التعبير- فربما يملك هذا ما لا يملكه الكثيرون من أصحاب الفكر، وربما قدم للدعوة في المجالات التي يتقنها ما لا يستطيعه غيره، خاصة من هؤلاء المشهورين المعروفين المرصودين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما تنصرون بضعفائكم".
وأخيرا :
إن ماقام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام في هجرته يدل على تدبير للأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط للظروف بأسلوب حكيم، ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسد لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة، واقتصار على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف
إن أصدق وصف يمكن إطلاقه على أبي بكر وبيته وأهله أنه حوّل الجميع إلى ما نسميه "بغرفة القيادة، أو مركز اتخاذ القرار"؛ فمعظم التحركات التي بدأت بعد ذلك انطلقت من داره وبواسطة أبنائه ومواليه. وفي هذا درس لأصحاب الدعوات أن يسخروا إمكاناتهم، ويضعوا ممتلكاتهم تحت تصرف الدعوة خاصة في أوقات الشدة، وليتمثلوا تحذير الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24).
--------------------------------------------
كان بيت أبي بكر نموذجاً فذاً لبيوت الدعوة ، وظهر ذلك جليا من خلال حدث الهجرة المبارك فأبو بكر يعرف مهامه فيقوم بها على أكمل وجه ، فيقدم رغبته الشديدة على الصحبة ، ويبذل ماله (بشراء الراحلتين ) ، ويجند ابنه وابنته وراعيه لإنجاح أدوار الرحلة ثم يبذل نفسه بالقيام بتلك الصحبة . نعم وهذه هي طبيعة الإيمان , فإذا تمكن من النفس وخالطت بشاشته القلوب أرخص المؤمن كل شيء في سبيل عقيدته ، فهذا أبو بكر لم يقل : أجنب أبنائي الأخطار ، لا سيما البنات ، بل تجلى صدق إيمانه في كل خطوة من خطوات الرحلة ، فكانت نصرة الدين أعلى وأغلى عنده من النفس والولد والمال ، وبمثل هذا الصدق تنجح الدعوات وتنتصر.
وهذه هي الأدوار لنأخذ منها العبرة :
الصدِّيق .. خير رفيق
وقد تلخصت مهمته في:
- ابتاع راحلتين واحتبسهما في داره وعلفهما إعدادًا لذلك.
- سخّر أسرته لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم.
- وضع نفسه تحت شعار: "كن مستعدًا"؛ فهو يعلم أن القرار ربما يأتي اليوم أو غدًا، فلا بد أن يكون جاهزًا له.
ولكن لماذا أبو بكر بالذات؟ والإجابة:
1- لأنه كان من أكثر الناس حبًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ فكان يخاف عليه أكثر مما يخاف على نفسه.
2- ثم إنه كان من أحزم الناس وأملكهم لنفسه وخاصة عند لحظات الشدائد والملمات، فلا يجزع ولا يضطرب.
3- وكان يتمتع بقدر عجيب من حب الدعوة وافتدائها بنفسه وماله وعياله، لا ينازعه في ذلك إنسان.
يقول السهيلي: عندما رأى أبو بكر رضي الله عنه القافة (الذين يقتفون الأثر ويتتبعونه) اشتد حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: إن قتلتُ فإنما أنا رجل واحد، وإن قُتلتَ أنت هلكت الأمة، فعندها قال له رسول الله: "لا تحزن إن الله معنا"... (الروض الأنف).
إن النفوس التي أخذت قسطًا وافرًا من التربية لا تجزع عند الشدائد، ولا تهرب عند الصعاب وتقول: نفسي نفسي.. فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الهجرة الخطيرة، وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن ظفر به المشركون، ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول في قبضة المشركين...
ويظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق ، فأبو بكر عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله: (لاتعجل لعل الله يجعل لك صاحباً) فقد بدأ في الإعداد والتخطيط للهجرة ,فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعداداً لذلك,. لقد كان يدرك بثاقب بصره , وهو الذي تربى ليكون قائداً، أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة، ورتب تموينها، وسخر أسرته لخدمة النبي ، وعندما جاء رسول الله , وأخبره إن الله قد أذن له في الخروج والهجرة، بكا من شدة الفرح وتقول عائشة رضي الله عنها في هذا الشأن: فوالله ماشعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحداً يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، إنها قمة الفرح البشري، أن يتحول الفرح إلى بكاء مما قال الشاعر عن هذا:ورد الكتاب من الحبيب بأنه ………سيزورني فاستعبرت اجفانيغلب السرور عليّ حتى إنني ………من فرط ماقد سرني أبكانيياعين صار الدمع عندك عادة ………تبكين من فرح ومن أحزاني
عبد الله بن أبي بكر
كان عبد الله غلامًا، شابًا، معروف بالفطنة والذكاء وحُسن التلقي لما يسمعه.
فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو، لقد ربى عبد الله على حب دينه، والعمل لنصرته ببصيرة نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد، يدل على العناية الفائقة التي اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته. وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام به خير قيام
ولقد كان اختياره اختيارا دقيقا للمهمة التي سيُكلَّف بها وهي:
1- التسمّع لما يقوله أهل مكة - كما في رواية البخاري: "فلا يسمع أمرًا يُكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك".
2- المبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم في الغار حين يختلط الظلام، ناقلاً لهما ما سمعه، ثم المغادرة في وقت السحر، فيصبح مع قريش كبائت فيهم.
والذي يصف المخاطر التي تحيط بالدعوة وينقلها إلى القيادة لا بد أن يكون دقيقًا فيما يسمع ويرى وينقل، لأن كثيرًا من الدعاة يُهوِّلون -أحيانًا- من الواقع الذي يحيونه، ولا ينقلون صورة دقيقة للقيادة عن هذا الواقع؛ وهو ما يترتب عليه ترتيب أحكام خاطئة أو تصوّرات غير واقعية للمستقبل الذي ينتظر الدعوة.
ويمكن أن نطلق على شخصية عبد الله بن أبي بكر أنها شخصية "منضبطة" في التلقي، والأداء، والضبط، ولو كان شخصية "مُهَوِّلة" للأحداث، أو "متساهلة" في تقدير الخطر، لكان من الممكن أن تطول فترة مكوث النبي صلى الله عليه وسلم في الغار أو تقصر تبعًا للوصف الذي يتلقاه.
أسماء بنت أبي بكر
كان لأسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة حيث قامتا عند قدوم النبي إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز طعام للنبي ولأبيهما: تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فجهزناهما (تقصد رسول الله وأباها) أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب فلذلك سميت ذات النطاقين. وقد مثلت أسماء وأختها عائشة جهاز إمداد وتموين للنبي وأبي بكر في الغار، وسط محاولات المشركين المحمومة للعثور عليهما.
أما عائشة فقد كانت لا تزال صغيرة السن، وبالرغم من ذلك شاركت أختها في إعداد الطعام في البيت، وأما أسماء فتنقل الطعام من البيت إلى الغار، وقد كانت رضي الله عنها مؤهلة لذلك؛ لصبرها، وقوة احتمالها، وتكتمها الأمر، وحسن تصرفها في الأمور.
ولا غرو في ذلك، فالمرأة ليست عنصرًا مهملاً في الدعوة، ولكنها يمكن أن تقوم بأدق الأدوار حساسية، والتي لا يمكن للرجال أن يقوموا بها في أشد مراحل الدعوة حساسية وخطورة، لما يتعرضون له من رصد ومتابعة وتضييق.
لقد علَّمتنا أسماء
أولاً كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء، وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم!.
فلقد أظهرت أسماء رضي الله عنها دور المسلمة الفاهمة لدينها، المحافظة على أسرار الدعوة المتحملة لتوابع ذلك من الأذى والتعنت فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول: لما خرج رسول الله وأبو بكر أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده -وكان فاحشاً خبيثاً- فلطم خدِّي لطمة طرح منها قرطي قالت: ثم انصرفوا...). فهذا درس من أسماء رضي الله عنها تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم؟
وعلمتنا ثانيًا حسن التصرف في الأمور؛ فعندما دخل عليها جدها أبو قحافة -وقد ذهب بصره- فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قالت: كلا يا أبت، ضع يدك على هذا المال. قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم. قالت: ولا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردتُ أن أُسكِّن الشيخ..
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها، وسكنّت قلب جدها الضرير، من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقاً هذه الأحجار التي كوّمتها لتطمئن لها نفس الشيخ إلا أنه قد ترك لهم معها إيماناً بالله لاتزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال، وورثهم يقيناً وثقة به لاحد لها، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور، ولاتلتفت إلى سفاسفها، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عزّ أن يتكرر،وقلّ أن يوجد نظيره. لقد ضربت أسماء رضي الله عنها بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلاً هُنَّ في أمس الحاجة إلى الإقتداء به، والنسج على منواله وظلت أسماء مع أخواتها في مكة، لاتشكو ضيقاً، ولاتظهر حاجة، حتى بعث النبي ( زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد، وأمه بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبدالله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، حتى قدموا المدينة مصطحبين. والإنسان ليعجب كيف استطاعت تلك الشابة أن تتصرف هذا التصرف العاقل؟! إنها تربية أبي بكر، القريب من بيت النبوة، ولا غرابة بعد ذلك فيما يصدر عن أسماء من عقل راجح، وحكمة بالغة، وتصوّر للأهداف البعيدة، واستعلاء على تفاهات الدنيا، والتعلق بالآخرة.
عامر بن فهيرة
وهو الراعي البسيط، مولى أبي بكر رضي الله عنه، وقد انحصرت مهمته في:
1- تقديم اللبن واللحم إلى صاحبي الغار.
2- تبديد آثار أقدام السائرين إلى الغار بأغنامه كيلا يتفرسها القوم، فيصلوا إلى صاحبي الغار.
وهي وظيفة مزدوجة، منها ما هو في جانب للإمداد والتموين -مشاركة مع أسماء بنت أبي بكر، ومنها وهو الأهم- تبديد
الآثار لئلا يتعرف عليها المشركون، مشكِّلاً بذلك جهاز "تشويش وتمويه" على الكفار.
وعامر بن فهيرة شخصية بسيطة، فهو مجرد راعي غنم، وهو مولى لأبي بكر، فلن تتجه إليه الكثير من الأنظار؛ فالعرب لا يلتفتون إلى مواليهم، أما الإسلام فقد محا ذلك، وجعل خيرية الرجل بإيمانه وتقواه.
وهدا درس للدعوة أن تستفيد من إمكانات أقل وأصغر رجل فيها -إن صح التعبير- فربما يملك هذا ما لا يملكه الكثيرون من أصحاب الفكر، وربما قدم للدعوة في المجالات التي يتقنها ما لا يستطيعه غيره، خاصة من هؤلاء المشهورين المعروفين المرصودين، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما تنصرون بضعفائكم".
وأخيرا :
إن ماقام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صاحب الدعوة عليه الصلاة والسلام في هجرته يدل على تدبير للأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط للظروف بأسلوب حكيم، ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسد لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة، واقتصار على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف
إن أصدق وصف يمكن إطلاقه على أبي بكر وبيته وأهله أنه حوّل الجميع إلى ما نسميه "بغرفة القيادة، أو مركز اتخاذ القرار"؛ فمعظم التحركات التي بدأت بعد ذلك انطلقت من داره وبواسطة أبنائه ومواليه. وفي هذا درس لأصحاب الدعوات أن يسخروا إمكاناتهم، ويضعوا ممتلكاتهم تحت تصرف الدعوة خاصة في أوقات الشدة، وليتمثلوا تحذير الله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (التوبة: 24).
--------------------------------------------
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق